المعوقات العربية لقيام التكامل الاقتصادي العربي.. افتقار أسواق المال العربية إلى الفلسفة والمنهج الفكري الاقتصادي الذي يحدد لها إطار العمل والتحرك

إذا أردنا أن نستعرض المعوقات العربية لقيام التكامل الاقتصادي العربي وبشكل تفصيلي فيمكن إجمال ذلك كما يأتي:
1- عدم توافر الإرادة السياسية لدى معظم الأقطار العربية في إقامة تجمع تعاوني اقتصادي عربي، وعدم وجود فلسفة واضحة لهذا التعاون والتكامل.  
2-نخفاض قابلية البلدان العربية النفطية تقديم المساعدات والقروض الميسرة إلى البلدان الأقل ثراء، مع تباين شديد في مستويات النموبين الأقطار العربية.
3- ضعف آليات تنفيذ القرارات، وغياب صفة إلزامية التطبيق، مع افتقار نصوص الاتفاقيات إلى الدقة في تحديد الهدف والوسيلة وحتى الصياغة التي غالباً ما تتضمن ثغرات تسهل على الدول الأعضاء التنصل من التزاماتها تجاه الاتفاقيات.
4- ضعف الأجهزة التي تشرف على العمل العربي المشترك وتداخل صلاحياتها.
5- ضعف الروابط التجارية والصناعية، وضعف الدعم المالي، وغياب الثقة في قطاعات الأعمال، مع غياب شبه تام لتنسيق السياسات الخاصة بدعم التجارة والتنمية.
6- وجود أنظمة وقوانين اقتصادية محلية معيقة لتحرك رأس المال العربي داخل المنطقة العربية، وتفاوت مستويات الحماية الجمركية، وغياب جهاز إعلامي فاعل لجلب الاستثمارات الأجنبية.
7- تخلف البناء الهيكلي للعملية الإنتاجية، واعتماده على عدد محدود من السلع والمواد الخام والمنتجات الزراعية الأولية.
8- انتشار الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة، وما له من انعكاسات خطيرة، خاصة في مجال ترقية الاستثمار.
9- ضعف البنية التحتية، وذات قواعد إنتاجية ضعيفة، وصناعات مرتكزة على ثقافات مختلفة، وذات إنتاجية متدنية، مع عدم استقرار اقتصادي لمعظم البلدان العربية يميزه التضخم، وعجز ميزانية الدولة، وعجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات.
10- تخلف كبير في مجال الاستثمار في ميدان البحث العلمي والتنمية البشرية.
11- افتقار أسواق المال العربية إلى الفلسفة والمنهج الفكري الاقتصادي الذي يحدد لها إطار العمل والتحرك، زيادة على ضعف الأطر القانونية والتشريعية التي تحكم أصول وقواعد هذه الأسواق.
12- كثرة القيود غير الجمركية (الفنية، والإدارية، والنقدية، والمالية، والكمية) وكذا الرسوم والضرائب ذات الأثر المماثل للتعريفة الجمركية (رسوم الطوابع، ورسوم القنصليات، ورسوم المرور...)، هذه القيود التي تؤثر في قيمة السلع وكلفتها، وبالتالي على حرية حركتها بين أسواق الدول العربية.
13- المغالاة في طلب الاستثناء على التخفيضات الجمركية من طرف الدول العربية، وكذا عدم تفعيل آلية تسوية النزاعات، والتأخير في إلاتفاق على قواعد المنشأ التفصيلية.
ارتفاع تكلفة نقل السلع، وعدم توفر وسائل نقل منتظمة تشكل عائقاً أمام تطور التجارة العربية البينية.
14- تشابه الهياكل الاقتصادية والاجتماعية للدول العربية، ونقص في المعلومات الاقتصادية والتجارية ذات العلاقة بالقوانين والتشريعات التجارية، وعدم توفر المعلومات الرسمية المتعلقة بالتسهيلات التجارية.
15- اختلاف النظم السياسية، ومخاطر أوضاع عدم الاستقرار السياسي، وكذلك الميل لتغليب المصلحة القطرية على المصلحة القومية، وضعف العلاقات العربية البينية وتدني مستوياتها، وغياب الديمقراطية، مع تفاوت مستوى التطور السياسي والاجتماعي بين الدول العربية.
16- انعدام الثقة بين الدول العربية وحالة الخوف والتوجس في العلاقات العربية-العربية، مع تأثير الهيمنة الخارجية التي منعت بعضها أن تكون سيدة قرارها.
17- وجود مشاريع أخرى بديلة للتعاون العربي، كالشرق أوسطية، والأورو- متوسطية والتي انطوت تحتها معظم الدول العربية.
18- نقص الحرية، وغياب التمثيل والمساءلة، وضعف التمتع بالحقوق السياسية لدى المواطن العربي.
19- كما أن انعدام الثقة ونقص الإرادة السياسية لدى معظم الأقطار العربية في إقامة تعاون اقتصادي مشترك، هي المشكلات الكبرى التي تقف حائلاً أمام مشروعات التعاون النزيه الذي يعود بالفائدة على المنطقة العربية كلها. هذه الشكوك والمخاوف من جهة، وحتمية الدخول في فضاءات اقتصادية إقليمية ودولية من جهة أخرى، تجعل الدول العربية أمام تحديات كبيرة تلزمها استنهاض الهمم، والعمل على تطوير أنظمتها وأساليب تسييرها، وتحقيق تنمية شاملة علّها تقلص الفجوة التي تفصل بلدانها، وتقترب من مستويات التطوّر الذي يميز بلدان القارات الأخرى. هذه التحديات كبيرة ومتنوعة يصعب حصرها، ويجب الاهتمام بالأولويات منها.
20- ولا شك في أن الاهتمام بالتنمية البشرية والبيئية يعد أولى أولويات العالم العربي، قصد إيجاد كوادر قادرة على التعامل مع المتغيرات المعاصرة في مجال تكنولوجيا المعلومات وإنعاش عملية التجديد والتطور التقني. لذا يجب إنشاء شبكات حول أقطاب القدرات الجامعية، وإدماج اهتمامات الحياة الاقتصادية والسوسيوثقافية في سياسة البحث العلمي وتطوير التكنولوجيا، وتأهيل العمالة تعليماً وتدريباً وتقانة، وتفعيل سياسة التلاحم بين التعليم والإنتاج، وتطوير نظمها العلمية والمعرفية والمعلوماتية والتأقلم مع التكنولوجيات المستوردة.
21- اعتماد الدول العربية على الطاقة كمصدر رئيسي للثروة يمثل أحد التحديات الخطيرة التي تواجه الاقتصاد العربي، وبالتالي يجب ترشيد استغلالها ورفع كفاءة استخدامها، والبحث عن مصادر بديلة لها كالطاقة الشمسية، والطاقة الحيوية، وتطوير تكنولوجيا الطاقة النووية.
22- يشكل التحدي الزراعي أهم التحديات التي تواجه الاقتصاد العربي لضمان الأمن الغذائي لشعوب المنطقة العربية، خاصة وأن الفجوة الغذائية العربية تجأوزت حدود 15 مليار دولار سنويا. لذا يستوجب الاهتمام بالزراعة وتطوير الإنتاج الزراعي.
23- يعتبر برنامج التنمية للوطن العربي أحد التحديات التي تفرض النهوض بمعدل النمومن مستواه الحالي البالغ 5% سنويا إلى 7% على الأقل، وهو ما يستدعي رفع نسبة الاستثمار العربي المقدر بـ 20% من الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 30%، والعمل على إزالة المعوقات التي تحول دون تحقيقه، بوصفه مدخلاً هاماً للتكامل الاقتصادي العربي، إلى جانب إجراء الدراسات القطرية والقطاعية الضرورية لدعم استثمارات القطاع الخاص العربي، ودعم دور الاتحادات العربية والبرامج الاستثمارية، وإيجاد آليات فعالة لتنمية الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصاديات العربية، خاصة وأنه لا يمثل سوى نسبة 1.5% من مجمل الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم، على الرغم من انتقال الاقتصاديات العربية إلى نظام الاقتصاد الليبرالي وتحرير التجارة والاستثمار.
24-  وجود فاصل علمي وتكنولوجي عميق بين دول العالم العربي ودول العالم المتقدم، يجعلها تواجه تحدياً صعباً، يستوجب تطوير البحث العلمي والتحديث التكنولوجي وإنشاء شبكة من المراكز العلمية المتميزة، ومواكبة الثورة العلمية والتكنولوجية بوصفها مفتاح التقدم والازدهار، خاصة وأن احتياجات الوطن العربي في قطاع تكنولوجيا المعلومات تقدر حتى العام 2008 بما يزيد عن 13 مليار دولار.
25- تنامي العبء الاقتصادي جراء الزيادة السكانية في الوطن العربي، والتي تعمل على اتساع الهرم السكاني للشباب دون سن الخامسة عشر وما يصحبه من إنفاق لإطعامهم وإسكانهم.... فمعدل الإعالة كبير للغاية في الدول العربية، إذ يعيش 73% من السكان من عمل ودخول 27% إن توفرت لهم فرصة العمل المنتج.
26- نجاح الوطن العربي في التعامل مع المتغيرات التي يفرضها المحيط الاقتصادي العالمي، يتوقف على قدرته في إخراج المشروع الاقتصادي الإقليمي العربي إلى حيز الوجود لبناء منظومة اقتصادية عربية تتحمل مسئوليات رعاية المصالح العربية، ودفع المخاطر المحتملة التي تفرزها الاتفاقيات الدولية والمنظمة العالمية للتجارة واتفاقيات المشاركة.
إن المستقبل لا يقدم نفسه على طبق من فضة، بل يجب على الإرادة العربية الفاعلة القادرة على التغيير والإنجاز أن تكون جزءاً أساسياً من الواقع العربي القادم، تحدد أهدافها وتعمل على إنجازها من خلال رؤية إستراتيجية متكاملة تربط بين الواقع والمستقبل بكل تحدياته وأزماته ومخاطره. فإن لم يخطط العرب لمستقبلهم فسوف يخططه لهم الآخرون، وكل بديل من البدائل ينطوي على ثمن وتكلفة، وأي مستقبل يختاره العرب يستدعي دفع الثمن، فهم مدركون تمام الإدراك أن مواجهة مخاطر العولمة هي مسألة يصعب تحقيقها دون معالجة الاختلالات البنيوية للاقتصاديات العربية في إطار العمل العربي المشترك، وأن الاختيار الحاسم يتمثل في وحدة اقتصادية بوصفها طوق النجاة من الأخطار التي تهدد مجمل الدول العربية مستقبلاً. وأن المطلوب مشاركة العرب كأفراد وجماعات وأحزاب وحكومات ورجال أعمال وأكاديميين ومثقفين في العمل من أجل وضع القواعد والأسس لتكوين سوق اقتصادية عربية.
وعلى الرغم من أن مشروع التكامل الاقتصادي العربي تصادم مع معوقات وانتكاسات حالت دون تحقيقه، ارتبطت بعوامل كثيرة مثلما أسلفنا الذكر، إلا أن الدول العربية لا يمكنها البقاء بمعزل عن التطورات التي تفرضها المنظومة الاقتصادية العالمية، فهي مجبرة للدخول في هذه الفضاءات التي تفرضها العولمة والتعايش معها. وما دخولها الانفرادي والاندفاعي ضمن شراكات أمريكية وأوروبية إلا دليل على هذا، وتكريس لمسعاها في اندماج حقيقي ضمن الاقتصاد العالمي. فالدعوة الأمريكية للشرق أوسطية، والدعوة الأوروبية للمشاركة الأورو-متوسطية نابعتان من التنافس الحاد بينهما على المنطقة العربية. ومهما كثر الحديث، وتعارضت رؤى المعارضين والمؤيدين لمشروع الشراكة، فإن مستقبل التجارة العربية سيكون أفضل مما كان عليه خلال العقود الماضية، نظراً لما لهذه الشراكة سواء مع أمريكا أو مع الاتحاد الأوروبي من دور في تحريرها نظرياً، وإذا ما سيكون هذا التحرير دافعاً وسلوكاً يدفع بالتجارة العربية البينية نحو التقدم الفعلي مستقبلاً إن أحسن العرب التصرف، أم إنه سيساهم في تشتيت البيت العربي وإضعاف مستوى التبادل التجاري البيني، وبالتالي يقف عائقاً أمام الوحدة الاقتصادية العربية.

مواضيع ذات صلة